2016/06/18

ثلاثية الدم والثلج بقلم / رشاد الدهشورى


ثلاثية الدم والثلج
1- الطنين.
يروح ويجىء فى نوبة حراسته. يجرى فى مكانه وكرات الثلج ترتطم بوجهه,تلتصق بملابسه كخفافيش جائعة, صوت الانفجارات فى كل الأرجاء يصم الأذان
ولايخيف الغربان التى تجعر فى أذنية .
البرد يتسلق ساقيه كا لعقارب الصحراوية
. يمسك بندقيته بين يديه. يمارس تمرين الجرى فى المكان.
جنديان يحملان كتلة من الثلج كهيئة أدمى. يجريان وجندى يوقد مدفأة بالفحم.
طبيب برتبة ملازم أول يصرخ .
- ضعوه فى حضن المدفأة ..
الثلج يذوب . يكشف عن وجه جندى يداه متشبثتان بدمية كهيئة طفل.
الطبيب يدلك صدر الجندى محاولا إنعاشه ..ينفخون فى فمه..يدفئون بطانية فاخرة يلفونه بها . يلتفون حوله فى رعب . يفتح فمه بوهن .يهمس..
--- اريد العودة إلى ابنتى
يرتعد بشدة. يصمت . يخلع الجنود أغطية رؤوسهم..يخرج بكاؤهم من داخل الخيمة.....طنين.
2- تابوت.
نفض كرات الثلج عن ملابسه. تمنى لو مات مع الأخرين. تخلص من حذائة الميرى الثقيل الانفجارات والصراخ ونعيق الأغربة ورائحة الدم المحترق..
الليل كئيب .تأمل التوابيت الثلاثة الملفوفة بعلم الوطن وعلم قوات حفظ السلام.
تأكد أن أحد التوابيت فارغ.
تذكر زميليه الراقدين فى التابوتين.
ليلة أمس كتب أحدهم خطابا لزوجته يبشرها بعودته وأكد لها أنه فى صحة جيدة وأنه أحضر لها مفاجأة وأنه اشترى لابنته قطارا كهربائيا.
لكن رصاص قناصة الصرب لم يمهله .
أحس وكأن مدية إنغرست فى صدره .
دوى صوت الرصاص غزيرا ,ا نفجارات وصراخ مدافع, سمع صرخات زملائه بمكان قريب :
-"القناصة .قتلوا القائد "
نظر إلى بندقيته الخرساء وذخيرته العمياء ويداه المتخشبتان وقائده المقتول
فتح التابوت الفارغ,أ لقى جسده داخله.
تمدد وصمت رهيب احتل المكان.
3- تجمد
الرياح تعبث بالأشجار. تمثل بأوراقها فتسقط الخضراء والصفراء تدفنها فى الثلج بلا حداد,الدخان يتصاعد من أشلاء مدينة, طائرات سوداء شرسة تطن فى السماء كطيور جارحة.
الأرض جليد ,عربات محترقة وبقايا حياة..كرات الثلج تتساقط بغزارة والبرد وحش مفترس وملابسه الميرى لاتحميه..حذاؤه الضخم التصق بالأرض والجليد..
تذكر أوامر القائد:
"مهمتكم الحفاظ على ا لسلاح والزخيرة ولاتطلق النار إلافى أخر نفس".
بصق.أ مسك بندقيته فى تمرد.صرخ :
- لماذا جئنا..؟
أحس بثعابين البرد تلدغ أطرافه...تذكر أوامر القائد :
- "هنا غير مصر,البرد هنا بيموت , كل واحد فى نوبة حراسته , يتحرك , يجرى فى مكانه كى لايتجمد".
استجمع قوته..ا نتزع قدميه من الثلج يحدق فى بقايا لوحة معدنية محترقة وصوت أمه يرن فى أذنيه:
"روح يابن بطنى إلاهى ترجع بألف سلامه".
تذكر زوجته تداعب ابنته الوحيدة وهى تلهو بعروستها تحت شمس القاهرة الحنون..
نظر إلى السماء..غيوم سوداء تزمجر وشمس تحتضر لاضوء ولا شفق..
أذهله انفجار رهيب ,حدق مشدوها ورائحة الموت تملأ المكان تكاد تفقده وعيه.
ترنح متشبسا بالأمل .أ خبره القائد أنه غدا سيذهب للراحة فى سرايفو وبعدها يعود للقاهرة..لقضاء إجازته.
أحس أنة فقد بصره,طيورا سوداء تتخطفه ورائحة اللحم المحروق تخرج أحشائه .
يفتح عينيه بصعوبه,رؤوس بلا بشر وبشر بلا رؤوس ,سيقان بلا أحذية وأحذية بلا سيقان ,بيوت بلا بشر ولعب بلا أطفال وهياكل عظمية تتأود.أ غمض عينيه لحظة.
سقطت بندقيته على الأرض.....غطاه الثلج تماما.....تجمد.
................. 


إظهار مزيد من التفاعلاتتعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات