2017/01/20

المدرسة الرمزية وشرح قصيدة وفاق الحب للشاعرة والوشاحة د. ريم هباش بقلمي أنا أبو رويم

صورة ‏أحمد محمود أبو رويم‏ الشخصية ، ‏لا يتوفر نص بديل تلقائي.‏
المدرسة الرمزية

وشرح قصيدة وفاق الحب

للشاعرة والوشاحة د. ريم هباش
بقلمي أنا أبو رويم
 ________

إذا لم تأخذ المدرسة الرمزية على عاتقها إجلاءَ غوامضِ النفس ودقائِقِها، فَحَرِيٌّ بها أنْ لا تكون، والغاية من المدرسة الرمزية هو التعبير عن هذه الغوامض والدقائق النفسية التي لا ريبَ قد يشعر بها القارئ كُلَّ الشعورِ أو بعضَه على حسب ثقافته وإدراكِهِ، والتي يمكن على كل حال إحياؤها فيه باللَّون الرَّمادي القابعِ بين الأبيض والأسود، وهذا اللونُ غالبًا ما يكون رمزًا هو الآخَرُ لما ليس وضوحًا صِرْفًا ولا غُموضًا صِرْفًا، وإنما هو مزيجٌ من اللونين الأبيض والأسود اللذين يمثلان الوضوحَ والغموض.
وسلوكُ سبيلِ المدرسة الرمزية للتعبير عن هذه العواطف والمشاعر الدقيقة والغامضة سلوكٌ يقتضيه الحال أحيانًا، لما فيه من بالِغِ الإمتاع بعد الوصول الصعب والمضني للمقصود من النظم، مما يدعو إلى الفَرَح والسرور وتذوُّق الإبداع، بخلافه إذا ما كان صريحًا واضحًا لكل أحدٍ؛ وبالنظر إلى هذه الحيثية فليست المدرسة الرمزية خُروجًا عن الأَدَب ولا مَفْسَدةً للذوق الفِطْري الأدبي، بل هي نَوْعٌ فريدٌ يدعو إلى التدبُّرِ للنُّصوص وإعمالِ الفِكْر فيها للوصول إلى مرامِيها ومقاصدِها وأهدافِها الإبداعية بعيدًا عن الغَوْغاء وسُقَّاطِ الناس، إذ لا تكون المعاني شريفةً ولا مُعبِّرَةً عن حالاتٍ شعوريةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ لا يتَّفِقُ معها التعبيرُ باللغة العادية، إِلَّا وهي مُصانةٌ عن هؤلاءِ الغوغاءِ والسُّقَّاط من الناس، وذلك إنما يكون بإلباسِها ثَوْبَ الرمزيةِ، فيكون الإبداعُ والحالةُ هذه كالجوهرة الثمينة لا تُعطَى إلَّا لمن يُقدِّرُها ويَعرِف قيمتَها من الحكماء العارفين.

 وترجِعُ أهميةُ شرح الأشعار الرمزية إلى صُعُوبَتِها ووُعُورَتِها خاصةً في مواضع الرمز منها مما يكون صارفًا عن الإقبال عليها ودراسِتِها وتذوُّقِها كنوعٍ فريدٍ ونادرٍ من الإبداع الشِّعري الحديث. ولقد كان هذا دافعًا لنا على تناوُلِ هذه القصيدة التي تنتمي إلى المدرسة الرمزية بالشرح شرحًا بعيدًا عن الإطناب الممل والاختصار المخل.

والآن حان الدخول في المقصود، فنقول مستعينين بالله وحده:

 _________

الوَفْقُ حَامِلُ سِرِّيَ المَكْتُومِ

 وَبِجَوْفِهِ يَا صَاحِ كُلُّ عُلُومِي

(الوَفْقُ) مصطلح أَوْفاقِيٌّ يخص فَنَّ الأَوفاقِ، ومعناه الموافقة في الأضلاع أفقيًّا ورأسيًّا وزوايا، وله مِفْتاحٌ ومِغْلاقٌ وبُيُوتٌ وأضلاعٌ وزَوايا، واستعارته الشاعرة هُنا تعبيرًا عن الموافقة بينها وبين محبوبها من ناحية، وللإلغاز به من ناحية أُخرى، وهو هنا مبتدأ خَبَرُهُ قولها: (حَامِلُ سِرِّيَ المَكْتُومِ) والمكتومُ هو: المخبأ والمخفيُّ والمرموزُ والمجهولُ، ضِدُّ المَعْلُوم (وَبِجَوْفِهِ) أي: هذا الوَفْق (يَا صَاحِ) مُرَخَّمُ يا صاحبي، وهي جملة اعتراضية (كُلُّ عُلُومِي) بالإضافة إلى ياء المتكلم، أي: علوم الشاعرة التي اكتسبتها بالدراسة والمران والدُّربة.
مِيزَانُهُ أَزْلِنْ سُطُودٌ يَعْجُهُ

 وَبِقَلْبِهِ جَمْعُ الهَوَى المَحْمُومِ

(مِيزَانُهُ) أي: قاعدةُ الوَفْقِ الأصليةُ التي اعتمدَتْها الشاعرة هنا من أصل مئاتِ القواعد المثبتةِ له هي: (أَزْلِنْ سُطُودٌ يَعْجُهُ) وباقيها هو: حَبْمَكٌ، وتركته الشاعرة اضطرارًا لأجل الوزن، ويفهم من القاعدة أن المقصودَ هو الوَفْقُ المُرَبَّعُ دُون غيرِهِ من الأوفاقِ (وَبِقَلْبِهِ) أي: بقلب هذا الوَفْق الذي أنا مُزْمِعَةٌ على شَرْحِهِ والإلغازِ به (جَمْعُ الهَوَى المَحْمُومِ) اجتماعُ الحبيبين بما بينهما من الحُبِّ المُلتَهِبِ والمُشْتَعِل وكأنه الحُمَّى.
مِفْتَاحُهُ سَبْعُونَ رَقْمًا وَانْتَقِصْ

 مِنْهُ اثْنَتَيْنِ كَزَائِدٍ مَفْهُومِ

(مِفْتَاحُهُ) أي: مفتاحُ هذا الوَفْقِ الجامعِ بين اسمَيْنا باعتبارنا وجهَيْنِ لعُمْلَةٍ واحدةٍ؛ إذ نحن شخص واحد مبالغةً. والمفتاح هو بيت الأَلِفِ من «أَزْلِنْ»، ويقابله المِغْلاقُ الذي هو بيتُ الكافِ من «حَبْمَكٍ» على ما هو معروفٌ عند علماء هذا الفن. ومفتاحه مُبتدأٌ خَبَرُهُ هو (سَبْعُونَ رَقْمًا وَانْتَقِصْ . مِنْهُ اثْنَتَيْنِ كَزَائِدٍ مَفْهُومِ) المعنى أن المفتاح هو الرَّقْمُ سبعون مطروحًا منه اثنانِ زائدانِ مفهومةٌ زيادَتُهُما من دلالة السياق والشرحِ الآتي، فيكون المفتاح هو الرقم ثمانية وستون، وهو الرقم الذي سننزل به في المفتاحِ الذي هو بيت الأَلِفِ من «أَزْلِنْ»، ثم نَسِيرُ بزيادةِ واحدٍ في كل مرةٍ حتى نصلَ إلى أَوَّلِ بيتٍ من بُيُوتِ الجَبْرِ الأربعةِ، وهو بيت الحاءِ المهملة من «حَبْمَكٍ».
خُذْ جَبْرَهُ فَرْدًا بَدَا فِي بَيْتِهِ

 مِثْلَ الأَسِيرِ تَرَاهُ كَالمَغْمُومِ

(خُذْ جَبْرَهُ) أي: جبرَ الكَسْرِ الواقِعِ في الوَفْقِ الحاوي لسِرِّيَ المكتومِ (فَرْدًا) أي: واحدًا (بَدَا) ظَهَرَ (فِي بَيْتِهِ) الذي هو بيت الحاء المهملة من «حَبْمَكٍ» (مِثْلَ الأَسِيرِ) الذي في أيدي العدو (تَرَاهُ كَالمَغْمُومِ) أي: تراه وهو في بيته على هيئة المغموم في أَسْرِهِ وحبسِهِ، إِذْ لم نَجِئْ به إلا جَبْرًا للوَفْقِ ليس غيرُ، فهو زائدٌ عن أصل الوَفْقِ، وليس من الوَفْق في شيءٍ، وإنما جيءَ به لهدف الجَبْرِ فحسبُ، وذلك لِلخُرُوج من هذا الكسر الواقعِ في الوَفْق.
وَإِذَا انْتَهَيْتَ فَقُلْ قَصِيدِي قَدْ حَوَى

 سِرِّي المَصُونَ كَجَوْهَرٍ مَرْقُومِ

(وَإِذَا انْتَهَيْتَ) من تَعْمِير الوَفْقِ المُرَبَّعِ وجبرِ كسرِهِ بواحدٍ (فَقُلْ: قَصِيدِي) شعري عامةً ومنه هذه القصيدة خاصة (قَدْ حَوَى . سِرِّي المَصُونَ) أي: المحفوظَ والمرموزَ والمُخَبَّأَ (كَجَوْهَرٍ مَرْقُومِ) كاحتواءِ الخزانة على جوهر مكتوبٍ ومنقوشٍ.
الرِّيمُ بَدْرٌ وَالكَرِيمُ تَمَامُهُ

 وَالمَزْجُ سَارَ بِمَنْهَجٍ مَرْسُومِ

(الرِّيمُ) هو رمز الشاعرة (بَدْرٌ) أي: قَمَرٌ ناقِصُ الضَّوْءِ بدليل ما بعده، وهو قولها: (وَالكَرِيمُ) الذي هو الحبيب (تَمَامُهُ) أي: تمامُ هذا الضوءِ الناقص، (وَالمَزْجُ) الوَفْقِيُّ الواردُ في هذه القصيدةِ، وهو المزج بين الاسمين، وذلك بعد تحويلِهِما إلى حِسابِ الجُمَّلِ المعروفِ عند أهلِهِ، والذي يُعْطِي الحروفَ قِيَمًا عَدَدِيَّةً من واحِدٍ إلى أَلْفٍ، على طريقة الأبجدية لا على طريقة الأَلْفَبائيةِ (سَارَ بِمَنْهَجٍ مَرْسُومِ) أي: معروفٍ ومُحدَّدٍ عند أهل الفن لا اعتباطًا ولا تَخْمِينًا وحَدْسًا، بل بعِلْمٍ ودِراية وفَهْمٍ.
فِيهِ الثَّلَاثُ وَقَدْ تَلَتْهُ ثَلَاثَةٌ

 مِنْ ذِي المِئَاتِ بِرَسْمِهَا المَعْلُومِ

(فِيهِ) أي: في الوَفْق من القِيَمِ العددية الدالَّةِ على المَزْجِ (الثَّلَاثُ) أي: العدد الذي هو ثلاثةٌ (وَقَدْ تَلَتْهُ) أَتَتْ بعدَهُ (ثَلَاثَةٌ . مِنْ ذِي المِئَاتِ) أي: العدد الذي هو ثلاثُ مِئَةٍ (بِرَسْمِهَا المَعْلُومِ) عند علماء الإملاء وهو: ثلاثةٌ وثلاثُ مئةٍ، وهي القيمة العددية للاسمين معًا، والتي يُمَثِّلُها كلُّ ضِلْعٍ من أضلاع الوَفْق أُفقيًّا ورأسيًّا وزَوايا، وذلك بعد تَعْمِيرِهِ وجَبْرِهِ.
أَنْقِصْهُ رِيمًا وَالْتَحِفْ بِثَلَاثَةٍ

 خَمْسِينَ تَسْبِقُ لَا تَكُنْ بِنَئُومِ

(أَنْقِصْهُ) أي: هذا العددَ الجامعَ للاسمين والذي هو ثلاثةٌ وثلاثُ مِئَةٍ (رِيمًا) أي: القيمةَ العددية لهذا الاسمِ والتي هي خَمْسُونَ ومِئَتانِ بإسقاط الألف الحامل للتنوين الذي هو ضرورة شعريةٌ (وَالْتَحِفْ) تشبيهًا للعدد باللِّحافِ الذي يُلتَحَفُ به بجامعِ الإخفاء في كُلٍّ؛ إِذِ اللِّحافُ يُخْفِي ما بداخِلِه وما تَحْتَهُ، وكذلك العَدَدُ هنا يُخْفِي اسمَ المحبوبِ (بِثَلَاثَةٍ . خَمْسِينَ تَسْبِقُ) أي: والتحِفْ بثلاثةٍ تَسْبِقُ خمسين، أي: بثلاثةٍ وخَمْسين، والتقديم والتأخير هنا للضرورة الشِّعْرية، وذلك أَنَّك إذا طرحتَ من العدد الكلي الذي عَمَّرْنَا به الوَفْقَ، والذي هو ثلاثةٌ وثلاثُ مئةٍ = العددَ الذي هو خُمْسُون ومِئَتانِ، بَقِيَ لك ثلاثةٌ وخَمْسُون، وهي القيمة العددية لاسم المحبوبِ، فتدبَّرْ ذلك، و(لَا تَكُنْ بِنَئُومِ) أي: بِغَافلٍ عن معاني الرموز والإشارات.
أَبْغِي حِسَابًا مُلْهَمًا دُسْتُورُهُ

 يَحْوِي الكَرِيمَ وَيَخْتَفِي بِوُجُومِي

(أَبْغِي) أطلب (حِسَابًا مُلْهَمًا دُسْتُورُهُ) أي: مُتْقَنًا لا يَدْخُلُه الخطأُ في ذاتِهِ، وإنما قد يدخله الخطأ من الحاسِبِ نَفْسِهِ؛ فيكون بذلك كالشيءِ المُلْهَمِ، وأريده لغايةٍ معينةٍ، وهي أنه (يَحْوِي الكَرِيمَ) الذي هو المحبوب (وَيَخْتَفِي بِوُجُومِي) أي: ويختفي هذ الحسابُ مع ما حواه بِصَمْتي المتمثلِ في الرمز الذي لا يبوحُ بشيءٍ. وتقدير البيت: كُنْتُ أطلُبُ هذا الحسابَ وأبحثُ عنه، وقد وجدتُهُ واستخدمْتُهُ. والدليل على هذا التقدير الذي ارتأيناه هو أنها استخدمَتْهُ بالفعل قَبْلَ هذا البيتِ على ما شرحناه.
هَذَا بَرِيقُ السِّرِّ يَلْمَعُ كَالضُّحَى

 فَاحْذَرْ حِجَابَ غَبَائِكَ المَذْمُومِ

(هَذَا بَرِيقُ السِّرِّ) قالت: بَرِيق السر، ولم تَقُلْ: هذا السر؛ إذ السر لا يزال خافيًا وهو اسم المحبوب المرموز له بالقيمة العددية التي هي ثلاثةٌ وخَمْسُون بحساب الجُمَّلِ (يَلْمَعُ كَالضُّحَى) أي: كضوء الضُّحى ساعةَ قيام الشمسِ وشروقِها (فَاحْذَرْ حِجَابَ غَبَائِكَ المَذْمُومِ) مِنْ أَنْ يحجُبَكَ عن كشْفِهِ ومعرفَتِهِ من قيمته العددية؛ إِذِ الغَبَاءُ مذمومٌ ولا يَلِيق بالحُكَماءِ الذي يطَّلِعُون على بطائِنِ الأمورِ وخفاياها من خلال الرموز والإشارات.
هَذَا وِفَاقُ الحُبِّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا

 وَبُيُوتُهُ قَدْ أُثْقِلَتْ بِهُمُومِي

(هَذَا وِفَاقُ الحُبِّ) أي: وَفْقُ المَحَبَّة؛ لأنَّهُ (يَجْمَعُ بَيْنَنَا) أنا والمحبوب (وَبُيُوتُهُ) أي: وبُيُوت هذا الوَفْقِ التي هي بيوتُ هذه الأحرف: ابجد هوز حطي كلمن سع (قَدْ أُثْقِلَتْ بِهُمُومِي) أي: بأسراري ورُمُوزي الناشئةِ عن الهُمُوم وانشغالِ البال.
سِتٌّ وَعَشْرٌ قَدْ رَأَتْكَ مُغَامِرًا

 فِي سَبْرِ سِرِّ دَفِينِهَا المَلْغُومِ

وعدد هذه البُيُوتِ (سِتٌّ وَعَشْرٌ) أي: سِتَّةَ عَشَرَ بيتًا يَحْتَلُّ كلَّ بيتٍ فيها حَرْفٌ من الحروف السابقة التي هي: ابجد هوز حطي كلمن سع (قَدْ رَأَتْكَ مُغَامِرًا . فِي سَبْرِ سِرِّ دَفِينِهَا المَلْغُومِ) أي: مغامرًا في كشفِ سِرِّ مَدْفُونِها المليءِ بالألغامِ والمحفوفِ بالمخاطر.
لَوْ قَدْ دَخَلْتَ وَقَدْ خَرَجْتَ وَلَمْ تَمُتْ

 حُزْتَ الدَّفِينَ وَأَخْطَأَتْكَ كُلُومِي

(لَوْ قَدْ دَخَلْتَ) الوَفْقَ لتَفُوزَ باسمِ المحبوب (وَقَدْ خَرَجْتَ وَلَمْ تَمُتْ) بِلَغَمٍ من الألغام التي فيها، والمقصودُ بالألغامِ هنا الألغازُ والرموزُ والإشاراتُ، والموتُ بها هو جَهْلُ حَلِّها وما تَبُوحُ به مِنَ اسمِ المحبوبِ (حُزْتَ الدَّفِينَ) أي: عَرَفْتَ الاسمَ حينَ إِذْ خرجتَ ولم تَمُتْ، أي: ولم تجهلْ ما تبوحُ به هذه الألغازُ والرموزُ والإشاراتُ (وَأَخْطَأَتْكَ كُلُومِي) أي: جِراحاتي بسببٍ مِن جهلِكَ وغبائِكَ، والمقصود بالجراحاتِ هنا خَسَارة الفوزِ بالاسمِ المخبوء في هذا الوَفْق.
وَرَمَاكَ سَابِغُ سِرِّنَا فِي جُبِّهِ

 إِذْ بِالذِّكَاءِ تَصِيرُ كَالمَتْهُومِ

(وَ) في حالةِ ما إذا فُزْتَ بالاسمِ (رَمَاكَ سَابِغُ سِرِّنَا فِي جُبِّهِ) في بئره الذي هو الكِتْمانُ وعَدَمُ البَوْحِ (إِذْ بِالذِّكَاءِ تَصِيرُ كَالمَتْهُومِ) عند الحكماء؛ لأنه ذكاءُ الحكماءِ والعارفين، والبوح بالسر عندهم يقتضي الموتَ والهلاك.
وَلَرُبَّمَا يَوْمًا رَأَيْتَ صَبَابَتِي

 قَدْ فُسِّرَتْ مِنْ عَارِفٍ بِعُلُومِي

(وَ) أما إذا لم تَفُزْ بالاسمِ لا من القيمةِ العدديةِ المذكورةِ هنا، وحَجَبَكَ غباؤُكَ عنه فـ(لَرُبَّمَا يَوْمًا رَأَيْتَ صَبَابَتِي) أي: عرفتَ سِرَّ محبتي المرموزِ لها هنا، والتي منها اسمُ المحبوبِ (قَدْ فُسِّرَتْ مِنْ) حكيمٍ (عَارِفٍ بِعُلُومِي) التي استخدمْتُها هنا في الإلغاز والتَّعْمِيَةِ.
وبالجملة فالقصيدة من بحر الكامل المردوف بالواو، وتنتمي إلى المدرسة الرمزية، وفيها تَمِيلُ الشاعرة إلى مفهوم الاتحاديةِ في الحُبِّ، بحيث تجعل من نفسِها مع محبوبِها وجهَيْنِ لعُملةٍ واحدةٍ على سبيل التجريد، أو أنها كالمرآة العاكسة لعلومه وثقافته، وهذا ما أبانت عنه في قصائِدَ لها أُخرى، كالبيتين اللذين يقولان:
وَأَمْسَى الحِبُّ لُغْزًا فِي قَصِيدِي

 يُرِيكَ الرَّمْزُ مَعْنَاهُ الدَّفِينَا

إِذَا مَا قَالَ كَانَ القَوْلُ قَوْلِي

 وَكَانَ كَمَنْ مَضَى فِي الغَابِرِينَا

واستخدام الترميز كان معروفًا في المنظومات العلمية فحسب، وفي التأريخ للسنين فحسب، حيث مال إليه بعضهم واستخدمه، فقد ورد منه في تحفة الأطفال للجَمْزُوري المتوفى سنة سِتٍّ وسبعين وثلاث مئة وألف للهجرة، وفي بيتها الأخير تحديدًا ما يلي:
أَبْيَاتُهَا نَدٌّ بَدَا لِذِي النُّهَى

 تَأْرِيخُهَا بُشْرَى لِمَنْ يُتْقِنُهَا

أَبْيَاتُهَا نَدٌّ بَدَا، أي: عدد أبيات التُّحفة واحدٌ وستون بيتًا، وقد رَمَزَ لهذا العدد بـ(نَدٌّ بَدَا) وجُمَّلُها في حِساب الجُمَّل واحدٌ وستون، وكذلك قوله: تَأْرِيخُهَا بُشْرَى، أي: تأريخ تأليفها في سنة ثلاثٍ وخمس مئة للهجرة المُشرَّفة، وقد رَمَزَ لهذا العدد بـ(بُشرى) وجُمَّلُها في حِساب الجُمَّل ثلاثٌ وخمس مئة.
هذا، وغالب استخدام الأوائل لحساب الجُمَّل، كان لذات الحساب فحسبُ، وفي التأريخ به فحسبُ، أما استخدام حِساب الجُمَّل من خلال عِلْمٍ آخَرَ هو الأوفاق، وليس في التأريخ فحسبُ، وإنما على طول القصيدة، فهذا مما لم أَقِفْ عليه لشاعرٍ من قبلُ على كثرة ما قرأتُ في حياتي العملية والتي تربو على الخمسة والعشرين عامًا في مجال اللغة والشعر والعَرُوض، وهو انفرادة شعرية تدل على اقتدارٍ ومهارةٍ كبيرين لشاعرتنا المتألقة في الجمع بين العِلم والإِبداع على طبق من ذَهَب.
تم شرح القصيدة وأسفله الوفق الذي استخرجناه من رموزها، والحمد لله في بدء ومختتم، والشكر موصول للسيدة الفاضلة والأديبة الحسيبة النسيبة والشاعرة المتألقة نهلة أحمد شموخ الورد على قبول استضافتنا هذه الدقائق في هذا الصرح الإبداعي المنيف، والشكر موصول أيضا للدكتورة والمستشارة والشاعرة والوشاحة القديرة والمتألقة د. ريم هباش لحرفها ولإبداعها مني كل التقدير.
وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمين!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات