موسوعة شعراء العربية
المجلد السادس\ الجزء الثاني
شعراء العربية في الاندلس
بقلم د فالح الكيلاني
( الشاعر عبد الحق المحرابي )
هو أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية القيسي المحاربي من أهل غرناطة.
ولد في مدينة ( غرناطة ) سنة \ 481 هجرية- 8 108ميلادية في بداية عهد المرابطين ودولتهم التي تعرف بدولة الفقهاء. من اسرة مشرقية الاصول ذات علم ومكانة بحيث تهيأت له أسباب طلب العلم، و كان أبوه (غالب) حريصاً على طلب الإجازة له من الكثير من العلماء فتتلمذ على كبار علماء الأندلس، وكان ابن عطية نابغة بمقاييس النبوغ في عصره لأنه أحاط بكل العلوم المعروفة في زمانه، وكان على جانب كبير من الثقافة، والتنوع المعرفي والعلمي.
نشأ في بيت علم وفضل، وتلقى العلم عن والده، وعن علماء زمانه، ثم رحل طالباً للعلم، فحصَّل منه العظيم والجليل؛ وتولى القضاء لفترة، وكان صاحب جهاد بالسيف كما كان صاحب جهاد بالقلم، فجمع بين كلا الفضيلتين جهاد العلم وجهاد الحرب.
تعلم القرآن الكريم وحفظه والخط وتلقي مبادئ العلوم الإسلامية والأحكام الدينية ثم أخذ في مجالسة الشيوخ والاتصال بهم وملاقاتهم أينما وجدوا في أعظم مدن الأندلس فدرس على يد ابي جعفر أحمد
بن خلف بن عبد الملك المعروف ب(ابن القليعي ) في غرناطة .ولقي بمدينة( غرناطة) ايضا محمد بن علي بن حميدن التغلبي وأبا بحر سفيان بن العاصي، ولقي بقرطبة أبا القاسم خلف بن إبراهيم بن خلف
بن سعيد بن الحصار المعروف بابن النحاس ومحمد بن عبد الرحمن بن عتاب، ولقي بمدينة اشبيلية الحسن بن عمر الهوزني ولقي بمدينة (جيـان) محمد بن عمر أبي العصافير الجياني .
كان حريصاً على طلب الإجازة من العلماء فراسل عددا منهم لاجازته. فكتب إلى أبي المطّرف عبد الرحمن بن قاسم الشعبي الذي بعث له بالإجازة من مدينة ( مالقة) وكتب إلى أبي علي الحسين بن محمد بن فيرّه الصدفي السرقسطي فأجازه . وقد وردت عليه إجازات علماء آخرين كأبي عبد الله محمد بن منصور الحضرمي من (الإسكندرية) والإمام المازري من مدينة (منستير) التونسية.
لم يكن اهتمامه بالعلم والدرس يحول بينه وبين تحمل بعض مسؤولياته الإدارية أو يجعله عزوفا عن المشاركة العلمية بإبداء آرائه بكل وصراحة ونزاهة حيث عرف بنزاهته وأدى إلى انصراف المرابطين عنه في أيام شبابه، إلا أنهم لما تيقنوا فيما بعد من حسن طويته وسداد رأيه ولوه قضاء ( المرية) حيث تولى قضاء مدينة المرية في محرم الحرام من سنة \ 529 هجرية فكان ملتزما بالحق لا يداري فيه أحدا، فأدى ذلك إلى وجود معارضين لسيرته، فنسبوه أحيانا إلى الشدة ووصموه احيانا اخرى بالزندقة، فعانى منهم آلاما نفسية حزت في نفسه فقال :
داء الزمان وأهله
داء يعز له العلاج
اطلعت في ظلمائه
ودا كما سطع السراج
لصحابة أعيا ثقا
في من قناتهم اعوجاج
أخلاقهم ماء صفا
مرأى ومطعمه أجاج
كالدر ما لم تختبر
فإذا اختبرت فهم زجاج
كان فقيهاً عالماً بالتفسير والأحكام والحديث. وكانت له اليد الطولى في اللغة والأدب والشعر.
وقد اعتبرعبد الحق بن عطية من العلماء المجاهدين اشترك في غزو مدينة ( طلبيزة ) سنة 503هجرية . وكان كثير الغزوات في جيوش (الملثمين ). وكان ابوه يشجعه على الجها د وقد كتب إليه أبوه غالب في احد المرات أبياتاً يتشوقه فيها يقول :
يا نازح الدار لم يجعل من نزحت
دموعه طارقات الهم والفكر
غيبت شخصك عن عيني فما ألفيت
من بعد مرآك غير الدمع والسهر
قد كان أولى جهاد في مواصلتي
لاسيما عند ضعف الجسم والكبر
اعتل سمعي وجل الضرّ في بصري
بالله كن أنت لي وسمعي وكن بصري
و كان عبد الحق بن عطية من الأدباء والشعراء المجيدين. وله النظم الرائق والترسل البديع.
يقول ابن بشكوال في كتابه ( الصلة ) في حقه:
(...وكان واسع المعرفة، قوي الأدب، متفنناً في العلوم).
وصاحب قلائد العقيان يقول عنه :
( نبعة دوح العلاء، ومحرز ملابس الثناء، فذ الجلالة، وواحد العصر والأصالة، وقار كما رسا الهضب، وأدب كما أطَّردَ السلسلُ العذب...آثاره في كل معرفة، وعَلَم في رأسه نار، وطوالعه في آفاقها صبح أو نهار...).
ومما اورده فيه ايضا وقد عاصره :
(مررنا في إحدى نزهنا بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه برك نرجس، كأنه عيون مراض، يسيل وسطه ماء رَضْرَاضٍ، بحيث لا حسن إلا للهام ولا أنس إلا ما تعرض للأوهام فقال فيه ):
نـرجس باكـرتُ منـه روضـةَ.
لذّ قطعُ الدهر فيها وعذُبْ
حثّت الريح بها خمرَ حيـاً
رقصَ النبتُ لها ثم شَرب
فغدا يسفر عن وجنته
نَوْرُهُ الغضّ ويهتز طَرَب
خلت لَمع الشمسِ في مشرقه
لهباً يحمله منه لهب
وبياضَ الطلِّ في صفرته
نقطَ الفضّة في خطّ الذهب
توفي عبد الحق بن عطية في مدينة (غرناطة) 25 رمضان 541 هجرية - 1146 ميلادية وفي رواية اخرى توفي سنة \ توفي سنة 546هجرية -1151ميلادية
ترك من اثاره كتابين :
1-فهرس ابن عطية
2-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وعرف انه عبد الحق بن عطية من الأدباء والشعراء المجيدين.
و له في النظم الرائق والترسل البديع يتميز شعره بلطافته وروعة انشاده ونظم فب اغلب الفنون الشعرية وفي احدى قصائده الاخوانية يودع صاحبه فيقول:
أستودع الله من ودعته ويدي
على فؤاديَ خوفاً من تصدّعِهِ
بـدرٌ من الـودِّ حـازَتْهُ مـغاربه
فالنفسُ قد أشْخَصَتْ طرفاً لمطلعه
أتبعتُهُ بـعـد تـوديعـي له نظراً
إنسانُهُ غَرِقٌ في بحر أدمعه
ما أوجعَ البينَ في قلب الكريم غدا
يفارقُ القلب في ثَوْبَيْ مودعه
يذيبه البينُ فيّ تعذيباً ويمنعه
من أن يطيَر شَعاعاً أسر أضلعه
يسطو به البينُ مغلوباً فليس سوى
تململٍ في فراشٍ من توجّعه
وفي الختام اقول كتب إلى الأمير (عبد الله بن مزدلي) وقد خرج في إحدى غزواته يقول :
ضاءت بنور غيابـك الأيــامُ
واعتز تحت لوائك الإسلامُ
اما الجميعُ ففـي أعـمّ مَسَرَّةٍ
لمّا انجلى بظهورك الظلام
بادرتَ أجرَكَ في الصيام مجاهداً
ما ضاع عندك للثغور ذمام
وصمدتَ معتزماً وسعدُكَ منهضٌ
نحو العدى ودليلُكَ الإِقدام
كم صدمةٍ لك فيهم مشهورةٍ
غصَّ العراقُ بذكرها والشام
في مأزقٍ فيه الأسنة والظُّبى
بَرْقٌ ونقعُ العادياتِ غمام
والضربُ قد صبغ النصولَ كأنما
يجري على ماء الحديدِ ضرام
والطعنُ يبتعث النجيعَ كأنما
ينشقُّ عن زهر الشقيقِ كمام
فاهْنَـأ مزيـةَ ظـافـرٍ متـأيِّـدٍ
جفَّتْ برفعة شأنه الأقلام
وإليك وّدي واختصاصي سابقٌ
وجلوه من درّ الكلام نظام
إني وإن خُلِّفْتُ عنك فلم تَزَلْ
منّي إليكَ تحية وسلام
امير البيــــــــان العربي
د فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق - ديالى - بلـــــــدروز
****************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق