2017/07/26

المقاطع و المخارج ، مع نصائح للشاعر و الناثر -- الاديب خالد ع . خبازة من كتاب " العقد الفريد "

لغتنا الجميلة
عين على التراث العربي
في الشعر
المقاطع و المخارج ، مع نصائح للشاعر و الناثر
هذه الوصايا عثرت عليها في كتاب العقد الفريد .. و ارتأيت أن من الفائدة نشرها ، علها تفيد أصدقاءنا من الشواعر و الشعراء .. فضلا عن الناثرين .. أرجو أن تنال القبول .
يقول :
اعلم بأنك متى ما نظرت بعين الانصاف ، و قطعت بحجة العقل ، علمت أن لكل ذي فضل فضله . و لا ينفع المتقدم تقدمه ، و لا يضر المتأخر تأخره . فأما من أساء النظم و لم يحسن التأليف فكثير ، كقول القائل :
شرَّ يوميها و أغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا
شر يوميها نصبٌ على المحل ، و انما معناه ركبت عنز جملا بحدج في شر يوميها . و كقول الفرزدق :
و ما مثله في الناس الا مملكا ... أبو أمه حيٌ ، أبوه يقاربه
معناه : ما مثل هذا الممدوح في الناس الا الخليفة الذي هو خاله ، فقال : أبو أمه حي أبوه يقاربه . 
فبعّد المعنى القريب ، ووعّر الطريق السهل ، و لبّس المعنى بتوعر اللفظ و قبح البنية ، حتى ما يكاد يفهم .
و مثل هذا أيضا ، الا أنه أقرب الى الفهم ، قول القائل :
بينما ظل ظليل ناعم ... طلعت شمس عليه فاضمحل
يريد : حتى طلعت شمس عليه . و مثله قول الآخر :
ان الكريم و أبيك يعتملْ ... ان لم يجد يوما على من يتكلْ
يريد : على من يتكل عليه . و الأعشى حيث قال ( في المخبأة )
لم تمش ميلا و لم تركب على جمل ... و لم تر الشمس الا دونها الكلل
و أبين منه قول النابغة :
ليست من السود أعقابا اذا انصرفت ... و لا تبيع بأعلى مكة البَرَما
و قد حذا حذو النابغة بعض المبرزين من أهل العصر ، فقال :
ليست من الرُّمض أشفار اذا نظرت ... و لا تبيع بفوق الصخرة الرغفا
فقيل له : ما معناك في هذا ؟ . فقال : 
هو مثل النابغة ، و أنشد البيت . ثم قال : 
ما الفرق بين أن تبيع البرم ، أو تبيع الرغف ، و بين أن تكون رمضاء العينين ، أو سوداء العقبين ؟! .
و انظر الى سهولة معنى الحسن بن هانئ ، و عذوبة ألفاظه ، في قوله :
حذر امرء ضريت يداه على العدا ... كالدهر فيه شراسة و ليان
و الى خشونة ألفاظ حبيب الطائي في هذا المعنى ، حيث يقول :
شَرَسْتَ بل لنتَ بل قابلت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهل و الجبل
و قد يأتي من الشعر ما لا فائدة له و لا معنى ، كقول القائل :
الليل ليل ، و النهار نهار ... و الأرض فيها الماء و الأشجار
و قال الأعشى :
انّ محلا و ان مرتحلا ... و ان في السفْر اذ مضى مَهَلا
قال ابراهيم الشيباني الكاتب : " قد تكون الكلمة ، اذا كانت مفردة حوشية بشعة ، حتى اذا وضعت في موضعها ، و قرنت مع أخواتها ، حسنت " . كقول الحسن بن هانئ :
" ذو حصر أفلت من كر القبل "
و الكر ، كلمة خسيسة ، و لا سيما في الرقيق و الغزل و النسيب ، غير أنها لما وضعت في موضعها حسنت . (*)
و كذلك . فالكلمة الرقيقة العذبة ، ربما قبحت و نفرت اذا لم توضع في موضعها ، كقول بعضهم :
رأت رائحا جونا فقامت غريرة ... بمسحاتها جنح الظلام تبادره
فأوقع الجافي الجلف ، هذه اللفظة غير موضعها ، و بخسها حقها حين جعلها في غير مكانها حقا ، لأن المساحي ( جمع مسحاة ) لا تصلح للغرائر .
و اعلم أنه لا يصلح لك شيء من المنثور و المنظوم الا أن يُجرى منه على عِرف ، و أن يتمسك منه بسبب . فأما ان كان غير مناسب لطبيعتك ، و غير ملائم لقريحتك ، فلا تضنِ مطيتك في التماسه ، و لا تتعب نفسك في ابتغائه ، باستعارتك ألفاظ الناس و كلامهم ، فان ذلك غير مثمر لك ، و لا مجد عليك ما لم تكن الصناعىة ممازجة لذهنك ، و ملتحمة بطبعك . 
و اعلم أن كل متنٍ مرجعه اغتصاب نظم من تقدمه ، و استضاءته بكوكب من سبقه ، و سحب ذيل حلة غيره ، و لم تكن معه أداة تولد له من بنات ذهنه و نتائج فكره ، الكلام الجزل و المعنى الحفل ، لم يكن من الصناعة في عير و لا نفير ، و لا ورد و لا صدر ، على أن سماع كلام الفصحاء المطبوعين ، و درس رسائل المتقدمين ، هو على كل حال مما يفتق اللسان ، و يقوي البيان ، و يُحد الذهن ، و يشحذ الطبع ، ان كانت فيه بقية ، و هناك خبيّة .
و اعلم أن العلماء ، شبهت المعاني بالأرواح ، و الألفاظ بالأجساد و اللباب . فاذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزل ، و كساه لفظا حسنا ، و أعاره مخرجا سهلا ، و منحه دلاّ مونقا ، كان في القلب أحلى ، و للصدر أملا . و لكنه بقي عليه أن يولفه مع شقائقه و قرنائه ، و يجمع بينه و بين أشباهه و نظائره ، و ينظمه في سلكه كالجوهر المنثور ، الذي اذا تولى نظمه الناظم الحاذق ، و تعاطى تأليفه الجوهري العالم ، أظهر له باحكام الصنعة ، و لطيف الحكمة ، حسنا هو فيه ، و كساه و منحه بهجة هي له . و كذلك ، كلما احلولى الكلام ، و عذب و راق ، و سهلت مخارجه ، كان أسهل ولوجا في الأسماع ، و أشد اتصالا بالقلوب ، و أخف على الأفواه ،. لا سيما اذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف ، لم يمسه التكلف بميسمه ، و لم يفسده التعقيد باستهلاكه ، كقول ابن أبي كريمة :
قفاه وجه و الذي قفاه ... مثل قفاه يشبه الشمسا
فهجّن المعنى بتعقيد مخرج الألفاظ . و أخذه الحسن بن هانئ ، فأوضحه و سهله ، حيث قال :
بأبي أنت من غزال ... بزّ حسن الوجوه حسن قفاكا
و كلاهما أخذه من حسان بن ثابت حين يقول:
قفاؤك أحسن من وجهه ... و أمك خير من المنذر
و قد يأتي من الشعر في طريق المدح ، ما الذم أولى به من المدح ، و لكنه يحمل على محمل ما قبله و ما بعده . و مثله قول حبيب :
لو خر سيف من العيوق منصلتا ...ما كان الا على هاماتهم تقع
( و العيوق : اسم نجم في السماء ) . و هذا لا يجوز ظاهره في شيء من المدح ، و انما يجوز في الذم و النحس ،. لأنك لو وصفت رجلا بأنه أنحس الخلق ، لم تصفه بأكثر من هذا . و ليس للشجاعة فيه وجه . لأن قولهم : " و لو خر سيف من السماء لم تقع الا على رأسه " . هذا رأس كل نحس .
...............
خالد ع . خبازة
من كتاب " العقد الفريد "
(*) – و أضيف : أرى أن لفظة " أيضا " اذا وردت في بيت ، ما لم تكن في محلها الصحيح ، فهي ممجوجة ، وهي ما دخلت بيتا من الشعر .. الا أفسدته و عكرته . و عندما تكون في محلها تستحسن كقول علي بن محمد التهامي :
غير أني بالجوى أعرفها ... و هي أيضا بالجوى تعرفني
كذلك لفظة " شيء " اذا لم تكن في محلها الصحيح .. كانت غير مرغوبة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات