2016/04/18

في ذكرى ميلاده.. الأنا والآخر عند ابن رشد يكتبه الأستاذ مجدي الروميسي

في ذكرى ميلاده.. الأنا والآخر عند ابن رشد
جاء ابن رشد بفكره النير، الذي ربما لم تعهده العرب والثقافة لديها من قبل، فهو كما نعلم كان يدعو في خطابه إلى الاتصال بالثقافات الأخرى المغايرة سواء في الملة أو في القومية، وهذا للاستفادة من علومها وتجربتها المختلفة بالنسبة لنا، ولكن هذا لم يعد عيبا في حقه، فقد أجمع الباحثون على أن دعوة بن رشد هذه تعد دليلا قاطعا على طابعه التنويري ولا سيما في البيئة التي وجد فيها.
منهج بن رشد وهدفه من الاطلاع على ثقافة الآخر
استند بن رشد في دعوته للاطلاع على فلسفة اليونان على ركيزتين وهما، الاستشهاد بما وحى به ظاهر النص، قرآن كان أو حديث شريف، وضرب الأمثلة والاستشهاد بالواقعات التاريخية التي يمكن أن يستنيط منها حكم عقلي، الأمر الذي يوضح أن خطابه حيال هذه القضية كان موجها للعام والخاص على حد سواء، غير أن الآخر الذي كان يطلبه بن رشد لم يكن الغرب الأوربي الذي صار مطلب الرشديين من بعده في الثقافة العربية، بل كان اليونانيون الذين يمثلون له الفكر العقلي والمنطقي الذي يعينه على تفسير وتبرير دعوته لنقض الجمود والتقليد والتعصب.
ومن الخطأ اعتبار دعوة بن رشد للأخذ عن الثقافات اليونانية تعصبا من جانبه لأرسطو، أو تشيعا للغرب وكراهية منه في واقعه الإسلامي، بل على العكس من ذلك تماما فلم تكن دعوته تغريبية، بل نزعة عقلية انتقائية تطلب النافع لأمته من كل درب وصوب، ويبدو ذلك من قول بن رشد نفسه: “فقد يجب علينا إن ألفينا لمن تقدم من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما ثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافق للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منهم غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وحذرناهم” ولو دققنا النظر لنرى أن هذا الكلام موافق لما جاء في الأثر “الحكمة ضالة المؤمن” وابن رشد هنا ينبه على أن مطلب الحكمة من الأمم الأخرى لا يصد عنه الشرع، ويقول: “فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وإن من نهى عن النظر فيها من كان أهلا للنظر فيها وهو الذي جمع أمرين، أحدهما ذكاء الفطنة، والثاني العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله وهو باب النظر المؤدي إلى معرفة حق المعرفة، وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى” من هذا القول يبدو واضا أن الفلسفة لا تمدك إلا بإيمان راسخ ويقين بما تؤمن به، ولكن لك ما في الأمر أن تتحر من القيود وتتفكر وتبدع كما أمر الله، وهذا ما فعله ابن رشد.
الفصل بين العقل كمنهج والمعقول كمذهب
هنا يشيد ابن رشد بضرورة الفصل بين العقل كمنهج والمعقول كمذهب، أي أنه أراد الفصل بين الحكمة العقلية، وآراء المتكلمين والفلاسفة، مبررا خطأ بعض المشتغلين والمنتسبين إلى الفلسفة بأمور ترد إليهم وليس للفلسفة، مثل قصور عقولهم عن فهم جوهرها، وغيبة المرشد لمقاصدها، واتباع الأهواء في تطبيقها، ويضرب لنا مثالا رائعًا ليكون حجة لرأيه قائلا: “ليس يجب لما كان نافعا بطباعه وذاته أن يترك لما كان مضرة موجودة فيه بالعرض، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للذي أمره بسقي العسل أخاه لإسهال كان به فتزيد الإسهال به لما سقاه العسل وشكا ذلك إليه:”صدق الله وكذب بطن أخيك” بل نقول: إن مثل من منع النظر في كتب الحكمة من هو أهل لها من أجل أن قوما من أراذل الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب الماء البارد العذب حتى مات من العطش؛ لأن قوما شرقوا به فماتوا، فإن الموت عن الماء بالشرق أمر عارض وعن العطش أمر ذاتي وضروري، وهذا الذي عرض لهذه الصناعة هو شئ عارض لسائر الصنائع، فكم من فقيه كان الفقه سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم” جاء كلام ابن رشد مقنعا قلبا وقالبا غير أنه في غاية الجمال، لا ينم إلا عن فكر أتاه الله له ولم يأت سواه في عصره، غير أنه كما نرى أقرب للخطاب الديني منه لخطاب الفيلسوف؛ فهو يجنح للاستشهاد بالأحاديث الشريفة وفي غير مكان آخر استشهد بآيات قرآنية، ومن ثم نرى أنه فعلا نجح في خطاب العامة من خلال هذا النهج الذي انتجهه في الاستدلالات الدينية، ثم للخاصة من خلال مخاطبة العقل بالبرهان الواضح، من خلال ضربه مثال من مات من الماء ومن مات ظمآن، وعقليا الأول عارضا أما الثاني فهو كما قال ذاتي.
من ثم ما نود أن نرمي إليه هو أن دعوة الخطاب الرشدي في كل صورها إلى الاتصال بالآخر لم تهدف اتباعه ولا الفناء فيه ولا التنازل عن مشخصاتها، بل أرادت انتحال المنهج والأسس التي تمكنها من اللحاق به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات